الشيخ محمد الصادقي

348

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ » ( 65 : 7 ) . فقضية الموقف الحاسم ، ان لن نضيق عليه بذهابه عنهم مغاضبا ، فلم يكن يرى في ذلك الذهاب بأسا ، بعد ما استعصى عليه قومه وهو مستقص في دعوتهم ، فغادرهم مغاضبا ولم يصبر على معاناتها بمماداتها وعرقلاتها ، ظانا ان اللّه لن يضيق عليه الأرض ، فهي فسيحة والقرى باقوامها كثيرة ، وانه لن يضيق عليه توبيخا لذهابه عنهم ، إذ رأى نفسه معذورة في ذهابه . هذا الذي ظنه ذا النون ، ولكن الرسالة الإلهية لها مسئوليتها الخطيرة ، المحلّقة على سائر المسؤوليات ، فليس لصاحب الدعوة الرسالية ان يتركها ، أو يترك جو الدعوة بسند الإياس عن تأثيرها ، فإنها ليست - فقط - نذرا ، بل « عُذْراً أَوْ نُذْراً » فحتى إن أيقن الداعية بعدم تأثير الدعوة فعليه المواصلة فيها حتى النفس الأخير ، ولا يسمح له بالذهاب عنهم إلّا إذا خاف على نفسه عذابهم الناكل أم عذاب اللّه عليهم ، أم مسا من كرامة الدعوة ، فهنالك المهاجرة حفاظا على الدعوة والداعية ، لا إراحة لنفسه عن الدعوة غير المؤثرة . إذا فقد كان من ذا النون بعض التقصير في الدعوة الصامدة ، مهما يعذره بعض الإعذار ظنّه ان لن يضيق عليه ربه في ذهابه عنهم مغاضبا ، ولكنه كان ظنا بغير حساب ولا صواب ، حيث الموقف الصالح لذلك الظن أو اليقين بعدم التضييق هو تمام الدعوة ، ولا تتم بنفس الإياس الا إذا واجه امرا أهم إمرا من واجب الدعوة العاذرة غير المؤثرة ، كالخطر

--> 2 : 264 و 14 : 18 و 57 : 29 ، مما يجعل الترجيح للمعنى الأول عند التردد ، فضلا عن موضع اليقين كما في ذا النون .